top of page

الفلاحة وعدٌ يجب بناؤه


بقلم الوزير السابق للفلاحة ، الدكتور : رشيد بن عيسى :

«...والتنمية الريفية في طور البناء»

​... الإصلاحات الاقتصادية. في مطلع سنوات 2009-2010، أصبحت السيادة الغذائية أولوية قصوى لتعزيز المناعة الوطنية في مواجهة الأزمات العالمية، لا سيما الأزمة المالية العالمية المعروفة بأزمة "الرهن العقاري"، ثم أزمة كوفيد-19.

​إن التماسك الإقليمي يرتكز على جغرافية الثقة القائمة على تداول المعارف، والتبادلات الاقتصادية، والتعاون. وأخيراً، فإن التقدم الزراعي يتجذر في اقتصاد المعرفة القائم على القدرة على الإنتاج، والمشاركة، وتنفيذ المعرفة، وهو محرك للتنمية المستدامة والمادية. وبالعودة إلى تساؤلكم الخاص، فإن الصحراء تفرض نفسها كفضاء للتجريب والابتكار في مواجهة القيود القصوى. وتلعب السهوب دوراً في التوازن البيئي والأمن الزراعي الوطني. كما تحافظ الجبال على الموارد والمعارف التي يجب تجديدها. وتشكل الهضاب العليا العمود الفقري لنمو إقليمي متوازن، بينما يمثل الساحل الواجهة التي تلتقي فيها الإنتاجية، والتحضر، والتخطيط. وفي هذا الترابط بين الفضاءات، تصبح المعرفة عامل إنتاج بحد ذاته، محولةً الإقليم إلى رافعة للتنمية المستدامة القادرة على ربط الذاكرة، والعمل الحاضر، وآفاق المستقبل.

​يرى بعض المراقبين أن السياسة الزراعية الجزائرية عرفت نتائج متباينة منذ الاستقلال، مروراً بالثورة الزراعية في السبعينيات، وصولاً إلى المسار الأيديولوجي لسياسة التجديد الفلاحي والريفي المندرجة في سياق اقتصادي ليبرالي. ما هي نظرتكم لهذه التعديلات المتعاقبة؟

​بشكل أوضح، أقول إن تطور السياسات الزراعية الجزائرية يكشف عن مسار يتسم بتعديلات متتالية بين الدولة والمبادرة الخاصة، والمركزية والإقليمية، وليس مجرد مسار "ضائع". فقد كانت هناك فترة الثورة الزراعية في السبعينيات، مدفوعة بضرورة العدالة الاجتماعية وإعادة الإعمار الريفي عقب الحقبة الاستعمارية، والتي غيرت بشكل عميق العلاقات العقارية والهياكل الزراعية، مع محاولة دمج المبادرة الفردية والديناميكية الإنتاجية. تلت ذلك، بعد بضعة عقود، سياسة التجديد الفلاحي والريفي (2008-2013)، في سياق اقتصادي ليبرالي وإنتاج زراعي خاص في الغالب، يندرج ضمن منطق الأداء، والاعتراف بالتنوع الإقليمي، وزيادة إشراك الفاعلين المحليين، مع الحفاظ على تنظيم عام مهيكل. ورغم أن هاتين الفترتين اتسمتا باختلافات أيديولوجية ومؤسسية، إلا أن التجربتين كانتا تسعيان لهدف مشترك: تحديث الزراعة وتنظيم المناطق الريفية بشكل مستدام. ومع ذلك، تأثر تنفيذهما بعناصر مستمرة تتلخص في الإلحاح الاجتماعي مقابل الإصلاحات الهيكلية، والحوكمة المركزية مقابل التثبيت الإقليمي...

​وهو ما أثر على السياسة الحالية...

​نعم، لقد استمر هذا في التأثير على الاختيارات الحالية. ومع ذلك، يبدو أن الاستجابات المقدمة تضع حداً تدريجياً لهذا التذبذب الأيديولوجي الذي طال أمده، وتعمل على تحقيق الاستقرار في التوازنات؛ فالرهان لم يعد يتعلق فقط بالإصلاح، بل بتحديث الزراعة من خلال الحرص على عدم كسر التوازن بين التماسك الوطني والديناميكيات الإقليمية.

​ما هي الركائز التي تسمح بتحديث الزراعة بهدف تحقيق نتائج رسمية؟ وبتعبير آخر، ما هو برنامج الصمود الذي توصون به لضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي لدينا وتقليل التبعية للواردات، خاصة فيما يتعلق بالحبوب؟

​تمر الزراعة المعاصرة بمرحلة تحول عميقة. فهي تندرج الآن ضمن اقتصاد المعرفة حيث يصبح الابتكار، والعلوم الزراعية، والذكاء الإقليمي رافعات أساسية. وفي هذه المرحلة الجديدة، تصبح المعرفة عامل إنتاج حاسماً. وهي تربط بين البحث العلمي، والخبرات المهنية، والتجارب المحلية، مما يحول الزراعة إلى فضاء للابتكار وتثمين الموارد. وغني عن القول أن هذا التطور يعزز أيضاً حوكمة القطاع من خلال تشجيع نشر التقنيات، والشفافية، وخلق فرص عمل مؤهلة.

​وفي هذا المنظور، تبرز عدة محاور هيكلية توجه التحديث: تثمين الرأس المال البشري، والعلوم الزراعية التطبيقية في الأقاليم، والتحول التكنولوجي، والتنمية المستدامة، والأمن العقاري، والصحة المتكاملة من خلال مفهوم "صحة واحدة" (One Health)، والمؤسساتية، وأنظمة التأمين والتمويل، وتنظيم الأسواق الزراعية. إن نجاح هذا التحول يعتمد أيضاً على مؤسسات مهنية قوية قادرة على تمثيل المزارعين والمربين، وتنظيم الفروع ودعم الابتكار في الأقاليم. لذا، فمن الضروري أن تدرك كل مؤسسة وكل فاعل دوره تماماً في سلسلة بناء زراعة حديثة، خاصة عندما يتم تحديد المهام الموكلة لكل طرف من خلال أدوات تنظيمية، أو اتفاقيات، أو التزامات جماعية. إن النجاح الجماعي يتوقف على هذا الثمن.

 
 
 

تعليقات


bottom of page